العيش في زمن .. الإحباط !!
كثيرة هي المآسي التي تعترض الانسان في طريقة في الحياة ، هّمٌ ، وغمٌ ، ومشكلاتٌ ، ومآسي ، وصراعات وآهات ، تسلط وظلم ، وفتن يرقق بعضها بعضا ، شهوات وشبهات تعتري الانسان وتتناوشه من كل حدب وصوب ، ومشاهد مروعة من السقوط الحضاري التي نعيشه في واقعنا في وقت غلبة الروم وانتصارهم ، فما يصنع الانسان في مثل هذا الوضع ؟؟
هل يفعل ما أوصانا به ابو الطيب المتنبي حين قال :
لا تلق دهرك إلا غير مكترث ** ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يديم سرور ما سررت به ** ولا يرد عليك الفائت الحزن ؟
أم ترى أن هذا القول هو عبث ولغو من القول بالنسبة للانسان الحي صاحب القلب السليم الذي يريبه ما يريب الأمة ، ويؤرقه ما يجتاحها في هذا الوقت العصيب .. أم أن هناك هديا نبويا عظيما يرسم للإنسان الطريق في مثل هذه الأحوال ؟
قدر الله لنا أن نعيش في هذا الوقت في مسيرة التاريخ البشري ، ولو قدر لنا ان نولد يوم ان بعث النبي صلى الله عليه وسلم فنكون من أصحابه لكنا من أسعد الناس ، ولو ولدنا في زمن عمررضي الله عنه وكنا من معاونيه لكنا في حبور وسرور ، ونحن نراه يدك امبراطوريات الكفر في زمنه ، ولكن الله قدر أن نعيش في زمن الفتن ، وتوالي الاحباطات التي تقع على قلب الانسان المسلم وكانها سهام تخترق ما تبقى من مشاعره ، لتحيله الى فؤاد مشبع بالنكسات والنكبات .. فكيف يمكن للإنسان أن يعيش في زمن كهذا ؟
إن المطلع على سنن الله تعالى في خلقه من خلال كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليدرك أن أقدار الله نافذة ، وله فيها حكمة بالغة ، فهو يبتلي الانسان بالسراء والضراء ، لينظر أي الناس من يفهم معاني الابتلاء الذي خلق الله تعالى الخلق من أجله ان يبتليهم أيهم أحسن عملا ، فهو يبتلي الانسان بالهزيمة كما يبتليه بالنصر ، ويبتليه بالفقر كما يبتليه بالغنى ،( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شي قدير ، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) ، وإدراك حقيقة الخلق والبدء والنشأة والمعاد يعطي الانسان معان كبيرة ، وطريقة سليمة في التعامل مع كل الاحداث التي تعترض طريقه ، فيحيل كل محنة ليجعلها منحة ، ويدرك المنهجية المتوازنة في النظر إلى الاحداث ، ويجعل من الايمان بالقضاء والقدر دافعا إيجابيا ينير له طريق الخلاص في زمن الاحباط والنكسات !
إن أكثر ما يدفع الانسان إلى الشطط في الأقوال والأفعال ، والتهور في الخيارات الفكرية والسياسية والمنهجية هو عدم إدراك طبيعة الواقع ، وطريقة التعامل معه ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسم لصحابته الطريقة السليمة في " الصبر " الذي هو عمدة كبيرة في مواجهة الأحداث ، حيث أعطاهم منهجية عظيمة في تحمل تبعات الطريق في الصراع بين الخير والشر ، حيث ضرب مثلا باولئك الذين ينشرون بالمناشير فما يصرفهم ذلك عن دينهم ، ثم قال : ( ولكنكم قوم تستعجلون ) ، فجعل من الصبر مرتكزا لكل مرحلة الضعف والاستخذاء وتسلط الاعداء ..
إن الافراط في " الفأل " مثل الإفراط في " اليأس " حين النظر الى الاحداث ومجرياتها ، والاتزان هو المطلوب في مثل هذه الأوضاع التي تعيشها الأمة والاحباطات المتتالية التي تتابع علينا ، فأحداث العالم الاسلامي في افغانستان ، وفي العراق ، وفي فلسطين وفي الصومال ، وفي غيرها ، والمخططات الصهيونية والامريكية التي تريد اذابة هوية الأمة كلها ( إحباطات ) تحيل الأمة الى أمة متحطمة المشاعر ، متمزقة الأواصر ، مع قابلية التمزق والتشرذم في كل قطاعاتها ومجالاتها ، فكيف يمكن للانسان أن يعيش حياة سعادة وهناة في مثل هذه الأوضاع ، وكيف يحيل هذا الواقع الأليم الى واقع إيجابي يساهم فيه بفاعلية كبيرة ، لينعم في حياة جهادية في كل مجالات حياته ، دون أن تكون لهذه الإحباطات سبيلا الى انشاء جيل محطم المعاني ، ذليل السير ، خائر القوى ، ليس فيه حياة تدعوهم وتدفعهم الى النهوض والحضارة ومقارعة الأعداء ؟
إن من يتابع الإعلام ، وما يقذفه في روع المشاهد المسلم من مآسي كثيرة ليجزم بأنه يساهم في هذه الروح الخائرة التي تعيشها الأمة ، فهو يخاطب العقل الباطن المسلم وكأن الحياة كلها حياة ضنك وفتن ومشكلات ، فيغيب عنه كل مجالات الانتاج والابداع ، والمساهمة الفاعلة في النهوض بالأمة ، وإلا فان العالم الإسلامي في تاريخه المتطاول لم يسلم كثيرا من فتن ومشكلات هي أعظم مما تمر فيه الأمة الاسلامية ، فالحروب الصليبية التي استمرت سنوات كثيرة ، وغزو التتار للعالم الاسلامي ، وعصر الاستعمار الحديث كلها عصور ظلامية قاتمة ، ولكن الامة استطاعت في كل عصر ان تتجاوز كل هذه الفتن ، وتبقى شامخة بدينها ، تُكسّر صخرات الاعداء على صخرة الاسلام تاريخا وحضارة وقيما ، فيدرك الانسان أن بعد هذا الليل صبح مسفر ، وأن الله يمتحن الناس ليمحصهم ، وأن الامة لا تزال فيها بقايا خير ، فإذا ما نظر الانسان الى الواقع بعيني رأسه أدرك أن الصورة فيها فأل كما أن فيها يأس ، وفيها خير كما أن فيها شر ، وفيها بوادر انتصار كما أن فيها نكسات ، وفيها نضوج ووعي كما أن فيها غثائية وغوغاء ، غير أن الانسان من طبعه ينظر دائما الى أن واقعه هو أسوأ واقع يعاش ، فيصاب باحباطات تدعوه في أحيان كثيرة الى العزلة ، أو المغامرة التي لا يحسب لعواقبها حسابا ..
لقد قرأ ابن بطال وهو شارح كتاب البخاري في القرن الرابع قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا رأيت هوى متبعا ، ودنيا مؤثره ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فخذ غنما فاتبع بها شعف الجبال ) ، فقال : ولا أراه إلا زماننا هذا ، ثم علق عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله في القرن السابع بقوله : رحم الله ابن بطال كيف لو رأى زماننا هذا .. وها نحن نقول : رحم الله الحافظ ابن حجر : كيف لو رأى زماننا هذا ؟ .
وقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتمثل بقول لبيد :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ** وبقيت في خلف لجلد الأجرب
فقال الراوي عن عائشة وهوعروة بن الزبير : رحم الله أمنا عائشة كيف لو رأت زماننا هذا ، فقال هشام بن عروة : رحم الله أبي كيف لو رأى زماننا هذا .. ونحن نقول رحمهم الله جميعا : كيف لو رأوا زماننا هذا ، وسيأتي من أحفادنا من يقول : رحم الله آباءنا : كيف لو رأوا زماننا هذا !
إن أسوأ ما يواجه به الواقع حين يستحيل الناس الى بكائين ، نائحين لاطمين ، يجعلون من الفكر " النوائحي " طريقا لتفريغ شحنات الانفس بعيدا عن رسم المناهج العملية لمواجهة إشكاليات الواقع ، وهذا لا شك يخالف نهج النبي صلى الله عليه وسلم الايجابي في إحالة الازمات والمشكلات الى منح من خلال الفأل والصبر والتخطيط ، ومن خلال إدراك الطبيعة الواقعية للأحداث ، بعيدا عن التهويل او التقليل ، وبعيدا عن جعل " المزايدات " هي الطريقة لحل الازمات ، وإهمال التعقل الثاقب الذي يرسم للناس طريق الخلاص ، فإن الذي يدرك طبيعة الحراك الحضاري للأمة ليدرك أنها في نزول يحتاج الى نهضة تقلل من آثاره إذ لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعد شر منه ..
إن التطلع الى الحلول " المقعدة " بالنسبة للأفراد هي التي تحبط الانسان وتجعله ييأس من الاصلاح والتغيير ، فالنظرات الأممية العامة هي التي تجعل الانسان لا ينظر الى واقعه بنظرة إصلاحية واقعية ، يحدث من خلالها تغييرا على حسب الطاقة والاستطاعة ، إذ الاهداف الكبيرة التي لا تكون واقعية تهدم القوى ، وتهد العزائم ، بينما جعلت الشريعة الاسلامية مناط الانسان في التكليف ( القدرة والاستطاعة ) في كل شأن من شؤونه ، والله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ..
إن الزمن الصعب يحتاج الى فقه مرحلي ، يدرك طبيعة التغيرات ، ويرسم الخطط من خلال القدرات الواقعية لا المتخيلة التي تقضي على كل جهود الامة الماضية .. وهذا يجعل الانسان يتجرد في نظره الى خصومه واصدقائه من خلال تحقيق المصالح الشرعية ، بعيدا عن الضخ العاطفي الذي يقضي على الجهود ، ويقلب الموازين ، ويجعل التابع متبوعا ، والجاهل عالما ..
إن هذا كله لا يعني ان نحيل الأمة الى امة مستخذية خائرة القوى ، ولكن نحيلها الى أمة " عاقلة " في النظر الى أحداثها ، فهي عاقلة في تضحيتها ، وهي عاقلة في تصرفاتها ، وهي عاقلة في موازناتها ، حتى لو اقتضى الأمر ان تضحي بأرواح ابنائها في سبيل مبدأ وهدف سام ، وهذا هو الذي تحتاجه الامة وهو : بناء خياراتها على العلم والعقل ، بعيدا عن اختلاط المواقع ، وتسنم السفهاء لدفة التغيير والخيارات الصعبة ، وهذا يعني إعادة الاعتبار للعقل والفكر والرأي الجمعي الذي يقوم به أهل الرأي والحل والعقد في الامة ، وهو مشروع طويل وشاق يحتاج الى تعب وجهد في تحقيقة على أرض الواقع ، إذ الأمة لم يكتب على طرتها ( صالحة لغاية كذا ) ، بل لا بد من رسم المشروعات الاستراتيجية لمواجهة كافة الطوارئ والتغيرات .. وقد سبق الاشارة الى شي من ذلك في مقال ( استشراف المستقبل .. ) .
إن زمن " الإحباط " لا يعني أن يعيش الانسان حياته في شقاء وتعاسه ، فلنحل مآسينا الى أفراح من خلال الثقة بموعود الله ، وان نحيا حياة المؤمنين التي اوصانا بها الله تعالى ووعدنا بها ( من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن ، فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ، فهي حياة طيبة ، وان كان في موضع آخر قرر أن حياة الانسان المؤمن هي حياة ابتلاء ، فلنعش حياتنا مع نكد عيشها بسعادة وحبور واشراق وفأل .. وثقة، وهذا لا يعيه إلا من أدرك طبيعة الحياة :
طبعت على كدر وأنت تريدها ** صفوا من الأقذاء والأكدار
ومقلب الايام ضد طباعها ** متطلب في الماء جذوة نار الموضوع طويل .. ولكنها إشارات فيها نقص لعلها تسد في المداخلات إن شاء الله .. والله اعلم !