الانسان الكامل بين الدين والفلسفة
فكرة الانسان الكامل فى الديانات والفلسفات القديمة والمعاصرة
تحتل فكرة الانسان الكامل موقعا جوهريا فى نسق الديانات والفلسفات الميتافيزيقية ؛ بل وتتعداها الى العديد من الفلسفات المادية او المقاربة للمادية ؛ ونكاد نجد اصولها او بعض ملامحعها فى الفلسفات والثقافات العالمية الرئيسية ؛ فما هو هذا الانسان الكامل ؛ وما هو موقعه من الفلسفات والديانات القديمة والحديثة ؟
الانسان الكامل فى الفلسفة الاسلامية :
تكاد فكرة الانسان الكامل ان تسود مختلف تيارات الفلسفة الاسلامية فى العصر الوسيط ؛ وتجد مبشرين لها وسط التيارات الرئيسية ؛ من صوفيين وعلماء الكلام والفلاسفة ؛ ونجد ان اقطاب الصوفية الاسلامية قد جعلوها محورا مهما فى نسقهم المعرفى ؛ وكذلك تبناها اصحاب المذهب العقلى من المعتزلة واخوان الصفا ؛ بل وحتى المفكرين المائلين الى السلفية كالغزالى فى مرحلته بعد الصوفية وقبل السلفية . اننا كذلك نزعم ان مختلف فرق الشيعة قد اضفت صفات او مفهوم الانسان الكامل على قادتها ؛ وان اسمته بالامام المعصوم . وان كان طابع الفكرة هنا مختاف كل الاختلاف ؛ مما سنعالجه فى حينه .
وقد وجدت فكرة الانسان الكامل تجسدها الاقصى فى اعمال ابن عربى ؛ وخصوصا كتابيه " غصوص الحكم " و" شجرة الكون " . حيث تقوم فكرته فى عمومها على تفاوت اشخاص النوع الانسانى فى مراتب الكمال ؛ وهى تتفاوت حتى تصل لما يقارب مرحلة الالوهية ؛ وهى مرحلة الانسان الكامل ؛ حيث يقول عنه ابن عربى : " ان مرتبة الانسان الكامل هى عبارة عن جميع المراتب الالهية والكونية والتى تضم العقول والنفوس الجزئية والكلية ومراتب الطبيعة الى آخر تنزلات الوجود ؛ قهى مرتبة مساوية للمرتبة الالوهية ؛ ولا فرق بينهما الا فى الالوهية ؛ ولذلك صار الانسان الكامل خليفة الله فى الارض "
ان مجمل فكرة ابن عربى تحتوى على عدة محاور او منافذ للنظر الى الانسان الكامل ؛ والتى يمكن اجمالها فى التالى :
من جهة كيانه الوجودى ؛ اى باعتباره الجانب الالهى الصرف من الانسان ؛ او الجانب الانسانى من الله ؛ وهى فكرة تقارب النظرة التوراتية ؛ بان الله خلق الانسان على صورته .
من جهة كونه الصلة بين الله والعالم ؛ الله هنا كما هو وجود ازلى ؛ والعالم كاحدى تنزلات هذا الوجود . فى هذه المرحلة يكون الانسان الكامل نبيا ؛ والنبى عنده هو صورة لتجلى الحقيقة الازلية فيقول : " كذلك المتحقق من بالحق ( الله ) تظهر صورة الحق فيه اكثر من غيره ؛ فمنا من يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه وجوارحه ؛ بعلامات قد اعطاها الشرح الذى يخبر من الحق " . وهذه الحقيقة الازلية قد تجلت بصورتها الاوضح فى "الحقيقة المحمدية " ؛ وفى ذلك يقول :" وانما كانت حكمته ( النبى محمد ) لانه اكمل موجود عند النوع الانسانى ؛ ولهذا بدى له الامر وختم " ؛
من جهة النظر على اساس المعرفة ؛ فالانسان الكامل هو المدرك لانسانيته الباطنه ؛ وعن طريقها يعرف الله ويعرف الكون ؛ وهنا يعتمد ابن عربى فى مرجعيته على الحديث النبوى " من عرف نفسه فقد عرف ربه " .
ان الشخصية الاخرى التى اهتمت بفكرة الانسان الكامل قد كان عبد القادر الجيلانى ( الجيلى ) ؛ والذى افرد لهذه الثيمة عنوانا لاحد كتبه وهو " كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر والاوائل " ؛ ورغم ان هذ1ا الكتاب ؛ شان معظم كتب الصوفية لا يقتصر على هذه الثيمة ولا يتميز يترابط كمهجى ؛ الا ان الجيلى يعد احد اباء فكرة الانسان الكامل فى الفكر الاسلامى ؛ والتى تقارب نظرة ابن عربى الاولى ؛ من جهة الاصل الوجودى ؛ حيث يقول الجبلانى مثلا :" انه –اى الانسان الكامل- نسخة الحق . وان الله تعالى حى ؛ عليم ؛ قادر ؛ سميع ؛ بصير ؛ متكلم ؛ وكذلك الانسان ؛ حى ؛ قادر ؛ سميع ؛ بصير ؛ متكلم .."
ورغم ان ابن عربى والجيلانى قد قصرا مرتبة الانسان الكامل على الانبياء واقطاب الصوفية ؛ الا اننا يمكن ان نستشف من نصوصهما انها مرتبة مفتوحة لجميع الجنس البشرى . ان نصوص ابن عربى واضحة فى اشارتها الى ان اى انسان يمكن ان يصل الى هذه المرتبة ؛ بل انها تشير مرات الى الى ان مقولة الانسان الكامل تتناول اللانسان ككل ؛ الانسان كنوع او الانسان الكلى ؛ والذى يضم الانسان العادى زائدا الانبياء والاقطاب . ان هذا ما قد يفسر التناقض الظاهرى لتعريف ابن عربى للانسان ؛ مطلق الانسان ؛ والذى يجمع بين صفات انسانية لا جدال فيها ؛ واخرى الهية من دون شك ؛ حيث يقول : "الانسان الحادث الازلى والنشء الدائم الابدى والكلمة الفاصلة الجامعة ."
ان فكرة الانسان الكامل لم تقتصر على الصوفية وحدهم ؛ انما تعدتهم الى اصحاب المنهج العقلى ؛ من علماء الكلام والفلاسفة ؛ حيث نجد ان اخوان الصف فى موسوعتهم قد كتبوا " ان الغرض الاقصى الذى تنشده الشريعة والفلسفة ؛ هو التشبه بالله بحسب طاقة البشر " وهو ما ينسجم مع مجمل منهجهم الذى يؤدى فى النهاية الى
ان نفس هذه النظرة ؛ نجدها فى اعمال الفارابى ؛ حيث يكتب عن القائد الرئيس الذى يحكم مدينته الفاضلة " وهذا الانسان هو فى اكمل مراتب الانسانية وفى اعلى درجات السعادة ؛ وتكون نفسه متحدة بالعقل الغعال " كما يقول : " ويكون ذلك الانسان انسانا لا يكون يراسه انسان اصلا ؛ وانما يكون ذلك الانسان قد استكمل فصار عقلا ومعقولا بالفعل "
ان الفارابى هنا ؛ والذى يقارب افكار الفلسفة اليونانية من جهة وجود العقل الازلى ؛ لا يربط الانسان الكامل بمرتبة ديمية ؛ وانما هو واصل بالعقل الى تلك المرتبة ؛ هذا العقل الذى هو فيض من العقل الازلى ؛ والذى ينتج فى جزء منه الفيلسوف ؛ وفى جزء آخر النبى ؛ والذى تكون نبوته بادراك يعقل الالهى ( العقل الفعال ؟ ). ان النبوة هنا جزء من الفلسفة ؛ والالوهية هى تجلى العقل الفعال ؛ والانسان الكامل هو الفيسوف المدرك ؛ وهذا الراى مما سماى حسين مروة بنزعة عقلية مادية تكم فى ثنايا الفلسفة العلربية الاسلامية . يكتب الفارابى "فيكون بما يفيض منه ( العقل الفعال) ؛ الى عقله المنفعل ؛ جكيما وغيلسوفا ومتعقلا على الدوام . يفيض منه الى قوته المتخيلة نبيا منذرا بما سيكون ؛ ومخبرا بما هو الان من الجزئيات ؛ بوجود يعقل فيه الالهى . وهذا الانسان فى اعلى درجات السعادة ؛ وتكون نفسه متحدة بالعقل الفعال كما ذكرنا "
ان الانسان الكامل غالبا ما يتمظهر عند الصوفية فى صورة العارف ؛ وهو عارف بقلبه قبل عقله ؛ وهو اذن " يعرف ربه من نفسه " ؛ وهو "فى عمله بحسب علمه " ؛ وهو بذلك يقارب العارف المتخلق باخلاق الله ؛ كما عند الغزالى " المقاصد الاسنى فى معرفة اسماء الله الحسنى " . اما فى الصوفية الطرائقية ؛ فان مفهوم القطب او الولى ؛ والذى يكتسب صفات خارقة متعدية لصفات البشر ؛ هو مقارب لمفهوم الانسان الكامل ؛ وان كان يؤدى من الجهة الاخرى الى الانتقاص من انسانية من حوله من مريدين ؛ والذين عليهم ان يسعوا طويلا ؛ حتى يصلوا الى هذه الدرجة ؛ من دون ضمان بان يصلوها يوما ما .
سهر اليالى