أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا.
كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه
تحاضير الموادهنا تجد تحاضير جميع المواد لجميع المراحل
فشاركنا بما لديك فالفائدة للجميع
هو أعظم عبقرية فنية انجبتها فينيسيا وهو رابع العمالقة الكبار ليوناردو مايكل انجلو رافاييل ... ولد سنة 1477م في بييفي دي ككادوري وما إن بلغ التاسعة من عمره حتى اسلمه ابوه إلى عم يقيم في فينيسيا حيث يدرس على بلليني وغيره من المصورين الرسميين .. لا ح في اعماله الأولى التأثير اللوني من جيورجيوني وقد شارك في عمل لوحات من الفريسك بفينيسيا ... وما إن دهم مرض الطاعون حتى فر تيسيان إلى بادوا حين مات جيورجيوني صريع الوباء .. وفي سنة 1523 بدأت صداقة تيسيان مع الدوج أندريا جبريتي هذا المواطن الفينيسي الذي كان رجل سياسة ورجل حرب انقذ فينيسيا من غزو الاتراك .. وفي سنة 1526 تعرف تيسيان على أحد النبلاء : بيزو أرتينو ..وإلى هذه الفترة ترجع أعماله التي سادتها الرؤى المرحة المترنمة بالحياة المشغوفة بالحركة الدائبة وهو هذه الأعمال يحول الحقيقة إلى ذبذبات من اللون والنور يمثلان مزاجا موفقا في فنه وفي سنة 1530 م ماتت زوجة تيسيان فهجر بيته وعاش في بيت يطل على البحر أمام جزيرة مورانو بيت كان ملتقى أهل الفكر والفن وعبقريات عصره .. وهناك عمل من أجل المركيز دي مانتوا وعن طريقه اتصلت الوشائج بينه وبين بلاط أوربينو وعندما قدم شارلكان ملك اسبانيا إلى ايطاليا بدعوة من كليمنت السابع رسم تيسيان صورته واتصلت العلاقة بينه وبين البلاط الاسباني .. وفي سنة 1543م تعرف تيسيان على البابا بولس الثالث ورسم صورته ثم دعى إلى روما حيث استقبل استقبالا رائعا تحت تأثير مايكل أنجلو ولكن كلا الرجلين ظل محتفظا بشخصيته ونماذجه ... بقد عبر مايكل انجلو من خلال نموذج من الداخل وعبر تيسيان عن روحها الخارجية في جوها المحيط بها ...
ما ترمز له " أفروديت براكسيتيل " في هذا العصر نفسه ... وظل تيسيان مصورا لبلاط شارل ولأبنه فيليب من بعده ، كما صور بولس الثالث وغيرهم من عظماء عصره إلى جانب موضوعاته الميثلوجية التي عالجها بحيوية وانطلاق وجعل منها قصائد من اللون والنور ، وعنائياته الغزلية ورمزه مجتمع عصره .. وعاش تيسيان حتى التاسعة والتسعين ومات بالطاعون الذي فر منه في شبابه .. وأتيح له خلال هذه السنين الطوال أن يطرق عوالم التصوير المتعددة فهو مصور المناظر الذي سجل بألوانه روعة الجبال التي صحبت رؤاه في صباه الذي تفتح على هضاب الألب الشاهقة وهو مصور العرايا من نماذج من الجمال البيض المتلألئ بالنور وهو مصور الأشخاص طرق بنظراته الموضوعية مجالا جديدا من مجالاتها إذ عنى عند تصوير الأشخاص البورترية أن يسجل في الوجه حياته وشخصيته وزمنه على عكس رافاييل الذي يمثل بوجهه نماذج بشرية لا ترتبط بلحظة أو زمن بذاته ...وكذلك طرق تيسيان التصوير الديني فقد كانت حرفية فنه تغذيها قوة إيمانه بالله وعقيدته في العذراء والمسيح والقديسين ومن هنا عالج تيسيان هذه الموضوعات علاجا يضيئه نور الأيمان الديني فهذا الفنان الذي صور متع الحس وأثرى لغة اللون وحلق في الأساطير كان له ايضا همهماته اللونية ونبضاته حين يطرق الموضوع الديني ومثل مايكل انجلو كانت آخر أعماله لوحة الرحمة التي تناظر تمثال الرحمة – روندانيتي عند نحات عصر النهضة ... وإذا كان مايكل أنجلو قد فتح بتمثاله طريقا للفن الذي جاء بعده فإن تيسيان هو الأب الذي انحدر منه فيلاسكيث وروبنزوفان إيك ورامبرانت وبوسان وفاتو ، وهو الذي كان أحد مصادر إلهام التأثيرين الفرنسيين في تعاليمه التي تشير غل تحويل كل المرئيات إلى ألوان تسيح في النور ..
فنان من الشعب وجد تعبيره الفني في روح مايكل أنجلو التي خالطت في نفسه تعاليم تيسيان وتكون من هذا المزاج فن تينتوريتو العارم الذي استطاع بمضمونه الديني وباكتمال صنعة الأداء أن يجد مكانه في مدرسة فينيسيا بمنأى عن تيار المانرزم الذي سادها في منتصف القرن وأن يخرج بخصائصه المميزة عن فن معاصريه عمالقة عصر النهضة .... لقد سخر تينتوريتو فنه من أجل معاهد فينسيا وكنائسها واستطاع بأسلوبه الجهير إن يربط الجمهور بالعمل الفني من خلال لوحاته الدينية التي لمست عنصر الأيمان ورهافة العقيدة وجانب القصة في حياة الأنبياء والقديسين ... ولد تينتوريتو في فينيسيا 1518م من أسرة متواضعة وظل وفيا لمدينته عاكفا على فنه لم تحفل حياته بالإحداث والهزات التي حلفت بها حياة مايكل أنجلو ... ولم تحطها الأضواء التي أحاطت برافاييل ... وفي سنة 1545م أنجز لوحته – معجزة سان مارك – التي حققت له التقدير والشهرة وفي هذه الفترة نفسها أنجر الفنان أعماله التي تمثل العهد الأخير والتي تحتل الآن مكانها في متحف البرادو ... على أن أخصب فترات حياة تينتورتو هي تلك الفترة التي قضاها بين سنتي 1564 و 1588م في زخرفة جدران مدرسة سان روكو بفينيسيا وحقق فيها أروع أعاله وفي مقدمتها لوحته الدرامية – صلب المسيح - بتكويناتها العارمة المتفجرة وتلك الديناميكية النفسية التي يساهم النور واللون في إحداثها .. وإلى هذه السنوات أيضا ترجع لوحة تينتورتو – الهروب إلى مصر – حيث يتمثل مشهد من أروع المشاهد الطبيعية في فن التصوير وقد كان هذا الموضوع من الموضوعات التي استحوذت قلب تينتورتو صور منه بعد ذلك – مريم المصرية – ومريم المجدلية- . ... على أن تينتورتو لم يكن مصورا دينيا فقط فقد خلف مجموعة من الصور الشخصية وعرج مثل معاصريه على الموضوعات الأسطورية : - باكوس وفينيس – وسزوان في الحمام- وفي جميع هذه الأعمال تتمثل شخصية تينتورتو المميزة وأسلوبه الذي قام على التزاوج بين النور والظلمة ، الفضاء والحركة ، مع أستاذيه في الأداء اللوني وفي إضفاء جو من السحر على الحياة . إذا لم يكن اسم تينتورتو قد أحاط به البريق الذي أحاط باسم رافاييل أو تيسيان فإن عالمه الزاخر قدم رؤى متدفقة عميقة الأثر بين تراث هذا العصر .
يتمثل وجه أسبانيا المميز في القرن السادس عشر في عبقرية دومنيكو تيوتوكوبولوس المعروف باسم الجريكو فهو قدم فنا تخطى حدود مكانه وعصره وأعماله تشير إلى مساهمة أسبانيا في صنع العبقرية الإنسانية في الفن ، تلك العبقرية التت تعرف الإقليمية ولا تتقيد بالزمن والتي تجعل اسم الجريكو يضفي على هذه الحقبة من حياة أسبانيا الفنية قيمة خاصة ... ولد الجريكو كما تشير الوثائق الرسمية سنة 1541م في مدينة كاندي بجزيرة كريت وكانت كريت من بلاد جمهورية فينيسيا في هذا الوقت تجمع مزيجا من الكاثوليك الفينيسيين واليونان الارثوذكس ... وكانت أسرة الجريكو واسعة الثراء فأتاحت له ظروفه الاجتماعية أن يلتقي ثقافة كلاسيكية رفيعة امتزجت في نفسه بالإنسانية الإيطالية .. ولقي الجريكو في كريت مدرسة شائعة مزدهرة للفن القوطي تصاحبها تأثيرات فينيسية ، فتأثر بحرفية الفن البيزنطي من بعض الوجوه وبنغمة الحياة والحركة في الفن الإيطالي من وجوه أخرى .. وقد قدم الجريكو فينيسيا في سن باكر حاولي عام 1560م فوجد في هذا المكان المناخ الفني الملائم لتنمية أسلوب فنه على الخط الشرقي ممثلا في الفن البيزنطي والخط العربي ممثلا في الفن الإيطالي ... وتشير الوثائق إلى إن الجريكو تتلمذ على تيسيان ثم وقع فترة تحت تأثير تينتوريتو فقد وجد لديه صدى لثورة نفسه الداخلية ومنفذا للتعبير عنها كما تلقن منه طريقة توزيع الأشخاص والمجموعات في اللوحة وعلاقة الأشخاص بالفضاء ، وكذلك استوحى من فيرونزي بعض اتجاهاته في التكوين والثراء اللوني في لوحاته ... على إن عبقرية الجريكو وتطلعه الدائب ورغبته في الوقوف عند مواطن الإبداع في عصره كل ذلك دفعه إلى أن ينتقل من فينيسيا إلى روما ... وإذا كان الجريكو فد تشرب ملكة التعبير اللوني من فينيسيا فإنه تلقن من روما براعات التعبير بالشكل ... وعاد من هذه الرحلة الرومانية مكتمل الهبات ، ليستقر في مدريد وينجز بعض أعماله التي أراد أن يطاول بها حلم ميكل انجلو الذي سجله على قبة السستينا ... وانتقل الجريكو سنة 1577 إلى طليطلة فوجد فيها الجو الملائم لإشراقات عبقريته وعاش وسط تقدير أهلها بقية سنوات النضج والازدهار في حياته . .. واتصلت الأسباب بين الجريكو وبين صفوة عصره من المفكرين والشعراء والكتاب ورجال العلم وأتسع نطاق اهتمامه مثل أقرانه من فناني عصر النهضة فشملت المآسي الإغريقية والعمارة والعلوم وأطل من بلدته طليطلة على كل ثقافة العصر وتياراته ... وحمل الجريكو إلى توليدو في هذه الفترة خير تعاليم إيطاليا بعد إن أضفى من أعماق نفسه ظلالا من الأبدية وطوع اللون ليكون أداة تعبيره خالصة عن المضمون النفسي الدفين لأعماله وأصبحت الأشخاص عنده رموزا لمعان وعقائد وأحاسيس في عالم يسود فيه الشهداء والقديسين وتسكنه أرواح غريبة توحي بها نبضات اللون وأعماقه ... ليس هذا النظام متسعا لسرد أعمال الجريكو يكفي إن نشير إلى بعض لوحاته الدينية الهامة : الروح القدس – بمتحف مدريد ولوحاته بكاتدارئية توليدو ومجموعة لوحاته للكاردينالات والاساقفة مثل لوحة – كاردينال تافيرا – بمستشفى توليدو - ودفن كونت دي أوجاز – بكنيسة سانتو تومي بتوليدو التي تعد من أهم أعماله الممثلة لجماع تجاربه الفنية والتي تحمل جوهر التلاقي بين الشرق والغرب في فنه ......... إن أعمال الجريكو تحقق لقاء معجزا بين السماء والأرض في عالم خاص يضرب في غياهب المجهول وتعيش فيه كائنات متطلعة إلى ما وراء الأشياء لا تفكر في وجودها بقدر ما تحلم بما إليه تصير كائنات تتخذ ملامحها وثيابها وزينتها من عالمنا ولكنها مع ذلك تشبهه .... وما فنان مثله تؤكد أعماله أن الدنيا ليست غلا معبرا ووجودها وهميا فأعماله على عكس أعمال أستاذيه تيسيان وتنتوريتو فكلاهما يمثل أشخاص مكتملة البناء متفردة مغلقة على قدرها أما أشخاص الجريكو ففيها شي من الغرابة وشي من الضياع كأنها كائنات معلقه بين الحياة والموت وقد أتيح لجريكو بحكم تحرره كمن القيود الرسمية ومن أعباء البلاط أن يصوغ فنه وفق تأملاته ، وأن يرسم من الأشخاص النماذج العادية القريبة إلى نفسه التي تربطه بها صلات مشعة فلم يعنه تصوير السمت ولا الشبه وانما كان معنيا بأن يودع روحة وتأملاته ملامح الوجوه التي يرسمها ... لقد كان الجريكو كفنان انبعث من النبع البيزنطي يؤمن أن التصوير قبل كل شيء هو فن التسطيح ومن ذلك هجر خداع البصر ولم يعن بأساليب التجسيد وإنما اتجه نحو التعبير عن العمق النفسي من خلال المسطح عن الطريق التحوير الذي يدخله على الأشياء والأجسام الممتدة في استطالة غريبة والنظرات الغارقة في الحيرة واستخدام أقصى طاقات اللون التعبيرية .. وتعد تجربة الجريكو من علامات الطريق بين تجارب التشكيل بل أنها في هذا العصر عملا منفردا جمع بين روح العصر الوسيط وروح النهضة .. ولو لم يظهر الجريكو في هذه الفترة الصاخبة من العصر الحافل بالنظريات فهل كان من الممكن للفن الحديث إن يجد في سير الطريق الذي شقه الجريكو سواء من حيث تعميق الرؤيا التصويرية وتأكيد طاقاتها في التعبير النفسي أو من حيث مغامراته في الفورم والتكوين والهبات اللونية التي قدمها فنه للعالم المعاصر ...إن الجريكو قدم عملا نادرا من لقاء التقليد الكبرى وارتفاع التصوير إلى المستوى الإنساني عملا يناظر ما قدمه سيرافانتس للأدب .
يمثل فيرونيزي وجها آخر من وجوه التعبير الفني في هذا العصر فهو قد أخذ جانب التعبير عن المرح والمسرة وسجل حياة البذخ والأرستقراطية في فينيسيا ... ولد فيرونيزي في فيرونا ولكنه انتقل إلى فينيسيا وكاد يقصر عليها حياته كما وقف على أمجادها وحياتها المتلألئة فنه ... لقد كان فيرونيزي على عكس تينتوريتو فنانا لا تستحوذ عليه الموضوعات الدينية وإنما تملأ قلبه مسرات الحياة فعاش يغني حياة فينيسيا وأفراحها وولائهما ... تمثل أعمال فيرونيزي الأولى تنوع مصادر إلهامه وتأثيراته المختلفة وبخاصة تأثره برافاييل وتيسيان على أنه لم يلبث أن ملك أسلوبه الخاص ، ثم وجد في الولائم موضوعاته المفضلة ومجموعات الأشخاص وأشهر أعماله في هذا الصدد – الوليمة عند سيمون – و – عراس قانا – حيث نلمح مقدرة فيرونيزي الخارقة كواحد من أروع المصورين الذين ترنموا باللون وعبروا عن شاعرية النور .
1471-1528 ولد دورير في نورمبرج سنة 1471م وتلقى تعاليمه الفنية حتى سنة 1490م في مرسم أحد المصورين وبدا دورير يعالج رسوماته بالحفر على الخشب في مدينة بال وهي مركز هام من مراكز فن الطباعة ولكن دورير كان يتطلع إلى مستوى فناني عصر النهضة وكان في نفسه كل روح العصر وخصائصه الولع بالإنسانيات والشغف بالروح العلمي وعبادة الجمال ... ورحل دورير إلى فينيسيا سنة 1494م وعاش قريبا من قلب النهضة الإيطالية ثم التقى بروح الأراضي الواطئة في رحلته الكبرى إليها بين سنتي 1520 و 1521م وإليه يرجع فضل إدخال النظريات الإيطالية والذوق الإيطالي في البلاد الجرمانية .... وقد ربط دورير مثل – ليوناردو – بين الفن والعلم وكان مأخوذا بكل ظواهر الطبيعة مشغولا بمشكلات عصره العلمية والدينية .. على أن الدين لم يكن بالنسبة لدورير مجرد طقوس وتعاليم وإنما كان روحا داخليه وتطلعا نحو المطلق كذلك لم يكن الن مجرد إتقان حرفي وإنما نظريات وفلسفات تركزت عليها مجموعة من الأصول العامة التي حاول ا، يظهرها في كتاباته المتعددة وهو من خلال هذه الكتابات يلقي أضواء على بحثه الدائب عن السحر الكامن وآراء الأشياء عن العلاقات بين الأجزاء والكل وعن معنى التناسق والتوازن والملاءمة في الفن ..... وفلسفة دورير ونظرياته تلوح بأبعاد مختلفة في أعماله منذ لوحاته الأولى الكبرى – التعميد – عبادة الرعاة - حيث تتجلى الشاعرية الأسطورية متزاوجة مع النسق البنائي الذي اختاره الفنان ومع عنايته بتعميق المنظور ... وتأثر دورير في مرحلة تالية عندما أنجز مجموعة من صور الأشخاص بأسلوب جيوفاني بلليني وتتوالي أعمال دورير في أسلوب يكاد يصافح العصر الحديث خاصة في بعض مناظره من الاكواريل مثل لوحة – التيرول – بمتحف اشموليان في اكسفورد وكذلك في لوحته للأشخاص التي أنجزها بعد رحلة الأراضي الواطئة والتي تتمثل فيها حيوية خارقة ويسجل ملامحها جو الصراع الديني الذي عاش فيه لوتر ..... على أن أروع ما خلفه دورير هو مجموعة من رسومه وأعماله المحفورة في المعدن أو الخشب فهي تمثل مراحل تطوره وقمة نضجه من خلال تنوعاتها المختلفة وأعدادها الضخمة التي جاوزت الألف ... في هذه الأعمال نلمح مصادر دورير ، نزعته الإنسانية وأعماقه الدينية وحيويته في الأداء وميراثه القوطي يبدو في تجمعاته وخطوطه المتعرجة المشحونة بالقلق والتوتر المندفعة نحو تطوف به مؤثرات عدة ولكنه ينطلق منها داخل نفسه فيضفي على أعماله دفء مشاعره ومغامراته الفكرية وما واتته به مواهبه من مقدرة التحليل واستكناه أعماق نماذجه البشرية وتسجيلها على ملامحها الخارجية . ... كان دورير لألمانيا مثلما كان ليوناردو لإيطاليا وأعماله التي خلفها هي أروع تراث قومي لتلك البلاد الجرمانية في القرن السادس عشر فضلا عن قيمتها في التراث الإنساني عامة , وفن دورير بمعاصره المميزة يتركز على أوصول قومية ومشاعر دينية عميقة وحب نافذ للطبيعية واندماج فيها ثم صدق إنساني سواء تغنى به في عالمه اللوني الرحيب أم بعث ألواح الخشب المحفور زفرات الضيق والصراع والقلق ..... هو في كل هذا يمضي خط من الصدق والإدراك لرسالة العمل الفني يجعل اسمه في مقدمة الفنانين الإنسانيين .
يتمثل هانز هلولبين في الفن الالماني المصور الصادق البسيط وإذا كان دورير فنانا متعدد المواهب مالكا نواصي فنه فلإن العنصر الدرامي في أعماله والجانب الفلسفي منها يجعلها أقرب إلى تقدير الخاصة ام هولبين ففنان موضوعي لا تعنيه إلا ملامح الأشياء وإتقان حرفيه التصوير وإدراك قيم اللون وما عدا ذلك كانت مشاعره من البساطة بحيث لا تعكس أي عنصر درامي أو فلسفي على فنه ولد هولبين في بلدة أوجسبرج وتعلم التصوير والحفر في صباه وبدأت مواهبه تتجلى في اعماله الأولى التي تمثل عنايته بتصوير الجسم الإنساني في وضع بنائي يتسم بالمتلاء والتأكيد ولم يقف هولبين عند حدود اقليمه بل رحل إلى سويسرا حيث لقى إيرازم وكلفه بعمل تصميمات فنية كثيرة منها مجموعته رقصة الموت ... ومارس هولبين الرحلة الإيطالية وتعرف على أعمال ليوناردو كما ذهب إلى فرنسا ثم رحل إلى إنجلترا في فترة القلق التي صاحبت عصر الإصلاح الديني وعندما عاد من هذه الرحلة صور اشهر لوحاته – أسرة الفنان – التي مثل فيها زوجته وطفليه في جو من الحزن والتعاسة والاستسلام وتعتبر هذه اللوحة من أكثر آثار التصوير الألماني التي تلمس الإحساس والرؤيا ... وسافر هولبين مرة أخرى إلى انجلترا ليستقر بها مصورا لبلاط هنري الثامن حيث صور الملك والملكات ورجال البلاط ... ومن خلال هذه الأعمال يقرأ الرائي تاريخ الحكم البريطاني في حقبة من حقبه ..... كانت الصورة الشخصية هي شاغل هولبين على أنه لم يكن يعني من خلال هذه الصورة بتسجيل نماذج بشرية مطلقة وإنما كان يعنيه الفرد بذاته بملامحه الخارجية وبواقعه النفسي وسماته المميزة يصوغها بإحساس رقيق باللون وبراعة حرفية نادرة قل أن توافرت على هذا النحو لغيره إننا أمام أعمال هولبين نذكر كلمة تيوفيل جوتييه التي نوه فيها بحيوية صوره الخارقة وما عليها كما قال الشاعر جوتييه إلا أن نقف أمام لوحات هولبين في أي متحف من المتاحف ونتأملها بالمقارنة مع مشاهديها مثل رافاييل تلك السهولة في الأداء التي تضفي الحياة على العمل الفني وما من فنان ألماني أوتي مثله ملكة إدراك الجمال وحسا من الذوق الرفيع له مكانته كأحد مصوري الأشخاص العظام في كل العصور .
تاريخ مولده الذي اختلف مؤرخوه حوله وإن كانوا قد حددوه في الفترة الواقعة بين سنة 1525م وسنة 1535م ... ثم تغيب بعد هذه الأعوام الخمسة عشر الأولى من حياته على ضفاف بلدته بروجيل التي تسمى باسمها حتى نراه في آنفرس عند جيروم كويك... ويسلك بعد هذا رحلة إيطاليا التقليدية خلفا أثرا في فن التصوير وإن لم يرقيا إلى مستوى بروجيل الأب .. يعود بروجيل من إيطاليا دون أن يتأثر كثيرا بتقاليد عصر النهضة وتظل تقاليد الفن الفلمنكي هي التي توجهه ولوحات سابقيه من أمثال جيورم بوش وبوتس تستحوذ عليه واقعيتها وقدرتها على النفاذ إلى الأعماق الداخلية لحياة الفلاندر ، وتصوير الأجواء التي كانت تضطرب بها بلادهم من الاجواء الطبيعية والنفسية معا ....ونزل إلى قلب الشعب ووقف يسجل بعين متيقظة في لوحاته السبع والثلاثين ورسومه المتعددة خصائص أرض الفلاندر من خلال نماذجه الشعبية .. حياة المرح والجهاد ، صور الطبيعة ، رموز النزاع الديني الذي كانت تضطرب به البلاد في عصره أيام دعوة كالفان ....في هذا المحور الثلاثي يدور فن بيتر بروجيل وخلف السطور الباهتة القليلة من حياته يطل فنه ... فن تحرر من كل التقاليد والأوضاع المتعارفة وهجر الموضوعات المألوفة هبط من قباب الكنائس وشرقات القصور ليقف في ملاعب الطفولة ويصور مراتعها بشاعرية أخاذة كأن عينه أطالت في هذه الملاهي وتمثلتها في محبة ... واندمج بيتر بروجيل في حياة الفلاحين أندمج كما يقول فان ماندرز كواحد منهم يعيش معهم ويتأثر بأفراحهم لا كفنان يتأمل حياتهم ليصورها فحسب وهذا الراعي صورة إنسانية تصور ملامح نفسية إنه كهنري الثامن بالنسبة لهولبين أو شارل السابع بالنسبة لفوكيه ..... انه النموذج المفضل لبروجيل وهو أكثر منهما صدقا وإنسانية ... ويتناول بروجيل الأساطير تناولا إنسانيا واقعيا فسقوط أيكاروس الموضوع الذي أجهده التناول في الفن القديم والحديث – يتخذ عنه مسحة إنسانية ايكاروس يهوي إلى الأرض ويدق عنقه بعد أن ذابت أجنحته الشمعية تحت وهج الشمس ولكن الحياة تمضي حوله على الأرض كما كانت دائما لا شي يستوقفها .... إنه هنا يحقق التقاء بين النزعة المثالية وحياة الشعب الدارجة بأسلوب يحمل سمات الفن القوطي الذي كان يسود بلاده ... وعندما يدخل بروجيل حياة الشعب يتناول بطريقته جانبا لم يسبقه إليه أحد فرقص الفلاحين تمثيل رائع لعنصر الحركة والمرح ووليمة الزفاف والحصاد صور دخلت الفن في القرن السادس عشر قبل أن يأتي -مبيه - في فرنسا .. وقبل حقول القمح لفان جوخ بأجيال عديدة – صور تعكس ذاتية الأشخاص بطريقة فذة وتصور الأثر النفسي والحسي الذي يخلفه المشهد في الإنسان أكثر مما تصور المشهد نفسه وتشع بروح المرح والسخرية .... في هذه الناحية يكمل بروجيل تقاليد الفن الفلمنكي ويهبط به من الرجل المتوسط إلى رجل الشعب ثم يمضي بتقاليد هذا الفن أيضا في صور الطبيعة التي مثلها بشاعرية وحب لم يبد من قبل إلا في لوحات فنان آخر من نفس هذه السهول هو بيير دي ليمبورج الذي كان فنه بشارة مهدت لميلاد بروجيل ... إننا أمام هذه اللوحات ننصت إلى موسيقى لا توصف إلى نغمات تفيض صورا وألوانا رائعة إزاء الطبيعة التي تستحوذ على الفنان بكل ما فيها ... بأشجارها وأعشابها وأرضها ولون السماء وزرقة البحر ....إن بروجيل يقودنا خلال المشهد إلى تعود الرؤيا التصويرية الواقعية للأشياء وإلى جانب مصور الإنسان ومصور الطبيعة يطل أيضا بروجيل الإنساني تلميذ إيرازم وتطل معه حقبة الاضطراب الاجتماعي والاضطهاد الديني الذي ساد عصره وتطل من هذا العصور الشيطاني وريث جيروم بوش هذه يبتدع هذه الرموز المزعجة ويسجل عنصر القبح في الأشياء في – انتظار الموت – وماجو المجنونة – والفلاحة العجوز – والملائكة العصاة – ومقتل الأبرياء – وفي صور – العميان والمتسولين - .... كان بروجيل أبن عصره حقا حين صور حياة وجود الأشياء ومشاهد الطبيعة ولكن صوره لا تقف عند حدود المجتمع الذي عبر عنه ... إن فيها عنصرا يخاطب الإنسان في كل جيل ومكان .. فيها شي يتخطى معالم المشهد المحدود والجو الإقليمي إلى الأفق الإنساني الرحب ... إن صور فزعة القديم تصلح رموزا لفزع عصرنا الحديث ، كما أن يشاهد فلاحيه تتجاوب مع كل قلب.... لقد صور بروجيل من خلال الأحداث العارضة وجموعه الفانية الباقي من الأشياء وإن المشكلات التي تصدى لها فنه هي من المشكلات التي تتنازع الفن في عصرنا فبيير بروجيل تقاسمه اتجاهان – الاتجاه الأول : طريقة تمثيل الطبيعة وانعكاس آثار مشاهدها في نفسه ... والاتجاه الثاني : محاولة ابتداع رموز من الباطن تختلف عن الرؤية الطبيعية للأشياء وتعكس اللاشعور الإنساني وضغط الواقع الاجتماعي عليه ... وكلا النزعتين وقفتا معا وما زالتا تؤثران في اتجاهات فنوننا الحديثة وكأن تجربة بروجيل منتزعة من تجارب عصرنا ... ومن أجل هذا ستظل أعماله على قلتها من المعالم الخالدة في الفن ....