عـشـق الـجـن للإنـس
الـعِـشْـقُ: فـرط الـحـب، وقـيـل: هـو عُـجْـب الـمـحـب بـالـمـحـبـوب يـكـون فـي عَـفـافِ الـحُـبّ، ودَعـارتـه .
الـجـن كـافـرهـم ومـسـلـمـهـم يـعـيـشـون مـعـنـا فـي أسـواقـنـا فـي مـحـلاتـنـا فـي مـدارسـنـا ، مـعـنـا فـي بـيـوتـنـا فـي الـغـرف والـمـطـابـخ والـحـمـامـات ، يـقـول الـنَّبِـيَّ صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم إِنَّ الـشَّيْـطَـانَ يَـحْـضُـرُ أَحَـدَكُـمْ عِـنْـدَ كُـلِّ شَـيْءٍ مِـنْ شَـأْنِـهِ حَـتَّى يَـحْـضُـرَهُ عِـنْـدَ طَـعَـامِـهِ فَـإِذَا سـقَـطَـتْ مِـنْ أَحَـدِكُـمُ اللُّقْـمَـةُ فَـلْـيُـمِـطْ مَـا كَـانَ بِـهَـا مِـنْ أَذًى ثُـمَّ لِـيَـأْكُـلْـهَـا وَلا يَـدَعْـهَـا لِـلـشَّيْـطَـانِ فَـإِذَا فَـرَغَ فَـلْـيَـلْـعَـقْ أَصَـابِـعَـهُ فَـإِنَّهُ لا يَـدْرِي فِـي أَيِّ طَـعَـامِـهِ تَـكُـونُ الْـبَـرَكَـةُ ( رواه مـسـلـم ).
والـجـن يـرونـنـا ولا نـراهـم ، يـقـول الله سـبـحـانـه وتـعـالـى:} يَـابَـنِـيَ آدَمَ لاَ يَـفْـتِـنَـنّـكُـمُ الـشّـيْـطَـانُ كَـمَـآ أَخْـرَجَ أَبَـوَيْـكُـمْ مّـنَ الْـجَـنّـةِ يَـنـزِعُ عَـنْـهُـمَـا لِـبَـاسَـهُـمَـا لِـيُـرِيَـهُـمَـا سَـوْءَاتِـهِـمَـآ إِنّـهُ يَـرَاكُـمْ هُـوَ وَقَـبِـيـلُـهُ مِـنْ حَـيْـثُ لاَ تَـرَوْنَـهُـمْ إِنّـا جَـعَـلْـنَـا الـشّـيَـاطِـيـنَ أَوْلِـيَـآءَ لِـلّـذِيـنَ لاَ يُـؤْمِـنُـونَ{ [الأعـراف:27]، ولـقـد مـن الله سـبـحـانـه وتـعـالـى عـلـى بـنـي آدم بـحـسـن الـخِـلـقـة ، يـقـول الله تـعـالـى فـي سـورة الـتـيـن : } لَـقَـدْ خَـلَـقْـنَـا الإِنـسَـانَ فِـيَ أَحْـسَـنِ تَـقْـوِيـمٍ{ ، فـسـبـحـان مـن أبـدعـه وجـمـله ، فـالـجـن يـعـجـبـون بـحـسـن خـلـقـتـنـا وجـمـالـنـا وقـد يـعـجـبـون بـأشـخـاص لا لـجـمـالهـم ولـكـن لـخـفـة دمـهـم وحـسـن دعـابـتـهـم أو غـيـر ذلـك ، فـيـعـشـق الـجـنـي الإنـسـيـة أو تـعـشـق الـجـنـيـة الإنـسـي كـمـا هـو حـاصـل بـيـن بـنـي آدم مـن الـعـشـق والإعـجـاب ويـقـول قـائـلهـم:
إن الـعـيـونَ الـتـي فـي طَـرْفِـهـا حَـوَرٌ
قَـتَـلْـنَـنــَا ثـم لـم يُـحـيـيـن قـتـلانـا
يـصـرعـن ذا اللـب حـتـى لا حـراك بـه
وهُـن اضـعـف خَـلـقِ الله إنـسـانـا
فـإذا كـان الإنـسـي يـعـشـق الإنـسـيـة لـجـمـال عـيـنـيـهـا ، فـمـا بـالـك بـمـن تـتـجـرد مـن ثـيـابـهـا أمـام شـيـطـان يـغـلـب عـلـى عـالـمـه دمـامـة الـخـلـقـة . عَـنْ عَـلِـيِّ ابـن أَبِـي طَـالِـبٍ رَضِـي اللَّهُ عَـنْـهُ أَنَّ رَسُـولَ اللَّهِ صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم قَـالَ سَـتْـرُ مَـا بَـيْـنَ أَعْـيُـنِ الْـجِـنِّ وَعَـوْرَاتِ بَـنِـي آدَمَ إِذَا دَخَـلَ أَحَـدُهُـمُ الْـخَـلاءَ أَنْ يَـقُـولَ بِـسْـمِ اللَّهِ . رواه الـتـرمـذي وفـي روايـة يـقـول صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم ( سـتـر مـا بـيـن أعـيـن الـجـن وعـورات بـنـي آدم أن يـقـول الـرجـل الـمـسـلـم إذا أراد أن يـطـرح ثـيـابـه : بـسـم الله الـذي لا إله الا هـو ).
يـقـول ابـن تـيـمـيـة : صـرع الـجـن للإنـس قـد يـكـون عـن شـهـوة وهـوى وعـشـق ، كـمـا يـتـفـق للإنـس مـع الإنـس وقـد يـتـنـاكـح الإنـس والـجـن ويـولـد بـيـنـهـمـا ولـد وهـذا كـثـيـر مـعـروف ا.هـ.
ومـن الـمـعـلـوم أن الـذي يُـعـشـق فـي عـالـم الإنـس صـاحـب الـوجـه الـحـسـن رقـيـق الـبـشـرة أبـيـض الـجـلـد وقـد قـيـل " الـبَـيَـاضُ نِـصْـفُ الـحُـسْـنِ"، ولـكـن هـذا الـذوق لا تـجـده فـي عـالـم الـجـن ، ولـو كـان الـجـمـال هـو الـغـايـة عـنـد الـجـن لـمـا بـقـي الـجـان الـعـاشـق فـي جـسـد الـمـمـسـوس بـعـد أن يـكـبـر سـنـه ويـشـيـب رأسـه ويـتـجـعـد وجـهـه وتـتـسـاقـط أسـنـانـه ..!
بـــلادٌ ألـفـنـاهـا عـلـى كـل حـالـة
وقـد يـؤلَـف الـشـيء الـذي لـيـس بـالـحـسـن
ونـسـتـعـذب الأرض الـتـي لا هـواء بـهـا
ولا مـــاؤهـا عـذب ولـكـنـهـا وطـن
والـذي يـحـصـل أن يـحـضـر الـجـان عـلـى الإنـسـان الـكـبـيـر والـرجـل الـدمـيـم أو عـلـى الـمـرأة الـسـوداء ويـقـول لـك أنـا أحـبـهـا ولـسـان حـاله يـقـول :
فـاسـتـحـسـنـوا الـخـال فـي الـخـد فـقـلـت لهـم
إنـي عـشـقـت مـلـيـحـا كـله خـال
وحـالات الـعـشـق هـي فـي الـحـقـيـقـة مـن أصـعـب حـالات الاقـتـران ، وهـي حـالات مـسـتـعـصـيـة للـغـايـة يـصـعـب مـعـهـا اقـنـاع الـجـن بـالـخـروج وتـرك الـمـصـروع ، وذلـك بـسـبـب تـشـبـث الـجـنـي بـجـسـد مـن يـعـشـق مـن الإنـس خـصـوصـا إذا كـان الـمـصـاب فـي بـعـد عـن ذكـر الله .
كـيـف صـبـري عـن بـعـض نـفـسـي وهـل
يـصـبـر عـن بـعـض نـفـسـه الإنـسـان
وكـثـيـر مـن الـشـيـاطـيـن لا تـعـشـق الإنـسـان الـمـمـسـوس ولـكـنـهـا تـعـشـق الـجـسـد فـقـط فـهـي تـأكـل وتـشـرب وتـسـتـمـتـع بـه ، ولا تـبـالـي بـالإنـسـان إذا مـا كـان سـعـيـدا أو حـزيـنـا ، بـل قـد تـتـسـلـط عـلـيـه بـالأذى والـسـهـر والـتـعـب لـخـدمـة الـسـحـر أو الـعـيـن أو لـمـجـرد أن يـخـالـف الـمـصـروع هـوى الـجـان ، فـعـلـيـهـم مـن الله مـا يـسـتـحـقـون مـن الـعـذاب واللـعـنـات الـمـتـتـالـيـة إلـى يـوم يـلـقـونـه.
وهـذا الـنـوع مـن الاقـتـران تـكـون له أحـيـانـا بـعـض الأعـراض :
فـمـن أعـراضـه أن يـكـثـر مـع الـمـعـشـوق الاحـتـلام فـي الـيـقـظـة والـمـنـام لـيـلاً ونـهـاراً ، وقـد يـشـعـر الـمـعـشـوق بـمـن يـتـابـعـه ويـحـتـضـنـه دون أن يـراه ، وقـد يـسـلـب الإرادة فـلا يـسـتـطـيـع عـلـى الـحـركـة أو صـراخ ويـشـعـر بـمـن يـعـاشـره " اغـتـصـاب " وهـو مـسـتـيـقـظ غـيـر نـائـم ، وربـمـا يـشـعـر بـأن شـيـئـا مـا يـثـيـر شـهـوتـه حـتـى يـقـذف وهـو مـسـتـيـقـظ وفـي كـامـل وعـيـه ،،، أمـا فـي الـحـلـم تـتـم الـمـعـاشـرة كـامـلـة " يـحـصـل الإيـلاج " وإذا مـا فـرغ مـن حـلـمـه واسـتـيـقـظ وجـد نـفـسـه مـتـعـبـا وكـأن الأمـر حـقـيـقـة ،،، وقـد يـصـاب الـمـريـض بـالـنـعـاس فـي أي وقـت فـي الـعـمـل أو فـي الـمـدرسـة ويـحـتـلـم .
وقـد أن يـتـدرج الـشـيـطـان فـي الـتـشـكـل للـمـعـشـوق فـي بـدايـة الأمـر فـي الـمـنـام ، كـأن يـرى الـمـعـشـوق فـي مـنـامـه صـورة امـرأة جـمـيـلـة أو رجـل وسـيـم وأنـهـا مـعـه فـي زواج ومـعـاشـرة وتـتـكـرر هـذه الـمـنـامـات حـتـى يـصـبـح الـشـكـل مـألـوفـا للإنـسـي ( أحـيـانـا يـكـون الـتـشـكـل فـي صـورة رجـل أو امـرأة يـعـرفـهـا الإنـسـي ) ، يـرى فـي الـمـنـام شـخـصـا عـلـى أحـسـن صـورة يـقـتـرب مـنـه ويـداعـبـه ويـعـاشـره ، وتـجـد بـعـض الإنـس يـتـلـذوذن بـتـلـك الـمـداعـبـة ويـهـيـمـون بـذلـك الـخـيـال وتـجـدهـم يـأنـسـون بـالـعـزلـة ويـسـارعـون الـى الـنـوم لـعـلهـم يـرون ذلـك الـطـيـف الـجـمـيـل يـقـول الـشـاعـر :
وإنـي لأهـوَى الـنـوم فـي غـيـر نَـعْـسَـة
لـعـل لـقـاء فـي الـمـنـام يـكـونُ
تـخـبـرنـي الأحــلامُ أنـي أراكُـم
فـيـالـيـتَ أحـلامَ الـمـنـامِ يـقـيـنُ
فـإذا تـبـيـن للـجـن الـعـاشـق أن الـشـاب أو الـشـابـة راغـب فـي هـذه الـخـيـالات الـعـاريـة والـدعـابـات الـجـنـسـيـة فـي الـيـقـظـة والـمـنـام ، قـد يـتـشـكـل له فـي الـيـقـظـة عـن طـريـق الـتـخـيـل بـالـعـيـن ويـتـحـدث مـع عـشـيـقـه أو عـشـيـقـتـه عـن طـريـق الـوسـوسـه ، حـتـى يـتـعـلـق الإنـسـي فـي هـذه الـصـورة الـجـمـيـلـة الـمـزيـفـة ، يـذكـر لـي أحـد الـشـبـاب وقـد ابـتـلـي بـشـيـطـانـة خـبـيـثـة ، فـيـقـول: أنـه بـلـغ بـي الـحـال أن أخـاطـب قـريـنـتـي قـبـل الـنـوم فـأقـول لهـا أريـد مـنـك أن تـأتـيـنـي فـي الـمـنـام عـلـى صـورة فـلانـه ، يـقـول: فـأنـام وتـأتـيـنـي تـلـك الـشـيـطـانـة الـخـبـيـثـة بـصـورة مـن طـلـبـت ، شـاب آخـر يـقـول: كـانـت تـشـتـرط عـلـي الـشـيـطـانـة بـأن لا أذهـب إلـى الـمـسـجـد مـقـابـل أن تـتـجـسـد لـي فـي الـيـقـظـة .
فـإذا وافـق الإنـسـي عـشـيـقـه مـن الـجـن بـفـعـل الـفـاحـشـة مـعـه أو حـتـى لـو تـركـه ولـم يـدفـعـه بـالـذكـر والـدعـاء ، فـإن الـشـيـطـان يـتـمـكـن مـنـه ويـسـتـحـوذ عـلـيـه لأنـه لـم يـحـفـظ حـدود الله ، ويـخـشـى عـلـيـه أن يـتـركـه الله سـبـحـانـه وتـعـالـى ولا يـبـالـي بـه بـأي واد هـلـك ، فـتـتـفـرد بـه الـشـيـاطـيـن وتـتـلاعـب بـه كـيـفـمـا شـاءت ، يـقـول الله تـعـالـى فـي سـورة الأنـعـام:} وَيَـوْمَ يِـحْـشُـرُهُـمْ جَـمِـيـعـاً يَـامَـعْـشَـرَ الْـجِـنّ قَـدِ اسْـتَـكْـثَـرْتُـمْ مّـنَ الإِنْـسِ وَقَـالَ أَوْلِـيَـآؤُهُـم مّـنَ الإِنْـسِ رَبّـنَـا اسْـتَـمْـتَـعَ بَـعْـضُـنَـا بِـبَـعْـضٍ وَبَـلَـغْـنَـآ أَجَـلَـنَـا الّـذِيَ أَجّـلْـتَ لَـنَـا قَـالَ الـنّـارُ مَـثْـوَاكُـمْ خَـالِـدِيـنَ فِـيـهَـآ إِلاّ مَـا شَـآءَ اللّـهُ إِنّ رَبّـكَ حَـكِـيـمٌ عَـلـيـمٌ{ .
يـقـول شـيـخ الإسـلام ابـن تـيـمـيـه : الاسـتـمـتـاع بـالـشـيء هـو أن يـتـمـتـع بـه . يـنـال بـه مـا يـطـلـبـه ويـريـده ويـهـواه ، ويـدخـل فـي ذلـك اسـتـمـتـاع الـرجـال بـالـنـسـاء بـعـضـهـم لـبـعـض ... فـالـجـن تـأتـيـه بـمـا يـريـد مـن صـورة أو مـال أو قـتـل عـدوه ، والإنـس تـطـيـع الـجـن ، فـتـارة يـسـجـد له ، وتـارة يـسـجـد لـمـا يـأمـره بـالـسـجـود له وتـارة يـمـكـنـه مـن نـفـسـه فـيـفـعـل الـفـاحـشـة، وكـذلـك الـجـنـيـات مـنـهـن مـن يـريـد مـن الإنـس الـذي يـخـدمـنـه مـا يـريـد نـسـاء الإنـس مـن الـرجـال . وهـذا كـثـيـر فـي رجـال الـجـن ونـسـائـهـم ، فـكـثـيـر مـن رجـالهـم يـنـال مـن نـسـاء الإنـس مـا يـنـاله الإنـس ، وقـد يـفـعـل ذلـك بـالـذكـران.
فـإذا مـا تـمـكـن عـاشـق الـجـن مـن الإنـسـي ، يـجـعـله يـحـب الـوحـدة والانـطـواء والـعـزلـة ، وتـجـده شـارد الـذهـن ، وإذا كـان الـرجـل خـاطـبـا أو الـمـرأة مـخـطـوبـة تـرفـض الـزواج ، وأعـرف امـرأة كـلـمـا تـقـدم أحـد لـيـخـطـبـهـا تـتـعـب جـسـديـا ونـفـسـيـا وربـمـا تـصـرفـت كـالـمـجـانـيـن حـتـى يـتـراجـع الـخـاطـب عـن خـطـبـتـهـا ، ويـتـحـدث الـخـبـيـث عـلـى لـسـانـهـا ويـقـول لـن أتـركـهـا تـتـزوج لأنـهـا زوجـتـي ، وقـد يـصـاب الإنـسـي بـبـعـض الأمـراض مـثـل الـخـفـقـان والآلام فـي الـقـلـب ، لأن الـشـيـطـان الـعـاشـق فـي الـغـالـب يـسـكـن قـريـبـا مـن الـقـلـب أو الـعـيـنـيـن ، وقـد يـصـاب الـمـعـشـوق بـالـكـسـل والـخـمـول وكـثـرة الـنـوم ، أحـيـانـا إذا كـان الـمـصـاب رجـلا فـتـجـده يـكـره الـنـسـاء عـمـومـا والـعـكـس إذا كـانـت الـمـصـابـة امـرأة ، وإذا كـان الإنـسـان مـتـزوجـا قـد يـربـطـه الـشـيـطـان فـيـجـعـله يـكـره مـعـاشـرة زوجـه وإذا عـاشـر لا يـجـد لـذة فـي الـجـمـاع ويـتـسـبـب فـي كـثـيـر مـن الـمـشـاكـل بـيـن الـزوجـيـن ، لأن الـشـيـطـان يـرى أن الإنـسـان الـمـعـشـوق مـلـك له وحـده ، وكـثـيـراً مـا يُـصـرع أو يـتـعـب الـمـعـشـوق فـي حـالـة الـغـضـب الـشـديـد ، وفـي بـعـض الـحـالات يـمـر الإنـسـي بـمـرحـلـة مـن الـعـذاب بـسـبـب عـشـق الـجـن له ، ولا يـعـلـم مـدى هـذه الـمـعـانـاة إلا مـن جـربـهـا ومـن لا يـزال يـعـانـيـهـا