[align=center:72ba5a94d1]
لا تـفـكّـــر... لـن تـخـســـر ســـوى الـمــــلـل
شـــــرفــة الـيــــومـي
يعرَّف اليومي بأنه ذلك الذي يُعطى لنا مع كل اشراقة شمس، ذاك الذي يضغط علينا حتى القهر احياناً. ما نباشره آن استيقاظنا: صعوبة العيش في ظل شروط محددة. اليومي هو ما يمسك بنا من الداخل، انه "عالم الذاكرة" في تعبير بيغي Peguy: ذاكرة شمسية وبصرية وذاكرة للجسد. نقرن بين اليومي والعادي على غير وجه حق، على ما يرى الفيلسوف الفرنسي روجيه بول دروا، صاحب "صحبة الفلاسفة"، اذ يمكن كثيرا من الافعال اليومية ان تكون مسكونة بالدهشة، احد مصادر الفلسفة. فاليومي يختبر ويهز حقائق نعتقدها راسخة: هويتنا، ثبات العالم الخارجي، معاني الاشياء، الانا والآخر. يدعونا دروا الى خوض غمار مئة وواحد من التجارب اليومية وعيشها. بل ويحرضنا على الافتعال والتجاوز، ولا شيء نخسره سوى الرتابة والملل.
اجلسْ في وسط غرفة هادئة، قليلة الاثاث. تأمل الصمت وتحضّرْ لتفجر الكلام: انطق اسمك بصوت عال كما لو انك تنادي شخصاً بعيدا في الضفة الاخرى من النهر. في البداية، ينتابك الاحساس بأنك تنادي في فراغ شخصا غائبا. ثابرْ على النداء مرات عدة على نحو آلي، حتى تتبين انه صوتك وأن صوت الآخر هو ما تتلقاه، انهما يشكلان واحدا لكنك لم تعد واثقا من ذلك.
فهذا الاسم الذي تعرفه، ويملك الآخرون وحدهم حق استعماله، تشعر حين تنادي به نفسك انك آخر. وللخروج من هذه الدوخة، ما عليك سوى ان تهتف للصوت: انا قادم.
تجويف معنى الشيء
ضع بين يديك اي شيء عادي: قلم، مسطرة، كوب، ساعة... الخ. شيئاً يملك وجوداً مألوفاً لديك. ردّدْ اسمه كثيرا بصوت منخفض، وفي خلال لحظات تنفصل الكلمة عن مسمّاها وتغدو الاصوات غريبة من دون دلالة تشير الى شيء في عينه.
نختبر على هذا النحو هشاشة الصلة بين الاسماء والاشياء وانزلاق المعنى. مخيف؟ مضحك؟ من يدري!
جغرافيا الأنا
"أنا" عبارة تتردد في كل جملنا: بها نعبّر عن رغباتنا واحباطاتنا، مشاريعنا وآمالنا. تعبير شخصي عن حالة شخصية في لفظ يستخدمه عامة الناس، مفارقة، اليس كذلك؟
غير ان البحث عن جغرافيا هذه "الأنا" في خريطتك يبدو عسيرا. تبدأ الاثارة من هذه النقطة بالذات. فالساح المثالية للبحث هي الجسد، في عاداته وضعفه وخصوصياته، وفي النتيجة لا وجود لـ"أنا" فعلية. فالخلايا لا تحيا اكثر من عشر سنين ولا عنصر في الجسم يبقى مماثلاً لنفسه باستثناء الوعي والذكريات. والحال ان هذه غير ممثلة "حصريا" للأنا. يبقى ان الأنا تشبه ذلك المشترك الذي يجمع ما هو متناثر مثل اللون او الرائحة. انها طريقة للظهور او اسلوب. وفي المآل الاخير ليست محض كلمة.
عالم مدته عشرون دقيقة
تخيّل لبرهة ان لا ماضي ولا مستقبل، وان العالم، كما نعهده ونعرفه بعمائره وخرائبه ونُصبه ومكتباته بما فيه نحن، يدوم مدة عشرين دقيقة وسينتهي بعدها مثل فقاعة صابون.
ستكتشف عندذاك اهمية وجود عمق ماضٍ حقيقي وأفق منظور للمستقبل.
المنظر لوحة ممتدة
اختبر منظراً: البحر او الريف. تأمله. لا تحدق في تفصيل محدد. سرّح ببصرك على الكل مثل لوحة. وعندما يقع في ذهنك انها مساحة ملساء لا يسكنها اي توتر داخلي، حينها تبدأ التجربة. فتتخيل ان كل ما تراه من السماء وحتى الارض يظهر على لوحة ملونة ممتدة، شاشة عملاقة.
آنذاك يمكننا ان نتصور المكان طيّ هذه اللوحة او الشاشة. اننا نختبر امكان وجود عالم يمكن طيه كما صفحة الكتاب والنظر الى ما يقبع خلفه. كل ما في الامر هو هذا الانزلاق والتواري واختفاء اليقين، وهذا الاضطراب الخفيف الذي يثيره وجود المنظر.
فقدان
يتطلب هذا الاختبار شرطين يجعلانه شبه مستحيل: ان تفقد شيئاً وان تنسى ماهيته. فأنت هنا في حالة فقدان مزدوجة: للشيء وللذاكرة الآنية. ولك ان تواجه العناء الصعب في محاولة التذكر والنبش. وهذه اللحظات ضرورية كي ننتبه الى انفسنا.
أين كنت في الصباح؟
يبدأ هذا الاختبار في اثناء نهار مليء بالعمل، وانت فيه منهك وعلى وشك فقدان زمام الامور. وفي لحظة التعب والتوتر هذه تتساءل اين كنت هذا الصباح؟ وما هي اول عبارة تلفظت بها؟ وما كان اول موعد؟
الاسئلة هذه نافلة عند اولئك الذين يمضون على وتيرة واحدة محددة في حياتهم، اذ ان ايامهم متشابهة. اما الآخرون الكثيرو التنقل، القلقون، فإن الزمن يتفلت من بين ايديهم وثمة صعوبة في استعادته.
المهم، ليس التذكر بل معنى التردد في تلك اللحظات المنصرمة، بانطواء ذكراها في مكان ما من جسدك والشعور بأنها آتية لا محالة، غير ان فجوة الماضي المتسعة تسخر منك.
الألم
يحاصرك الملل، تنتظر نداء لا يأتي. لا تعرف ماذا ينبغي لك ان تفعل، تتردد. يسبح العالم في نوع من الضباب الذي يجتاحك. اقرصْ نفسك بقوة في موضع يسبب الماً. يجب ان يكون الالم المطلوب قصيراً وشديدا، يكفي كي تندّ عنه صرخة مدوية. يأتي الالم هنا بمثابة حادث، لقاء فجائي، تعود معه الى الواقع ويعود اليك جسدك. تخرج من الملل وتعود الى العالم. كما لو ان الألم هو المعلَم الاول لهذا الاخير.
هاتف المصادفة
مرِّر اصابعك على لوحة الهاتف واطلب رقما خبط عشواء. قد تكون البداية محبطة: خط مشغول او غير صحيح. ادخل بعض التنظيم على محاولاتك.
هذه اللعبة لا تشبه في شيء المزحة التي يقوم بها عادةً المراهقون. عليك ان تشرح الامر لمحادثك المحتمل وتطلب اليه ان يعرّف عن نفسه. تلك هي الجملة الاولى، ثم لا يمكن توقع ما يحدث بعدها: محادثة ودية ام شتائم يعقبها انهاء للمحادثة. الهدف ليس اكتساب اصدقاء جدد او مغازلة مباشرة ما.
انه اختبار لكثافة العلاقات في العالم وكم هو قريب ولامتناهٍ. اغتراب لحظوي، خرق فجائي لليومي المزدحم.
سفر الاشياء
تعود من سفر طويل منتزعاً من عادات اليفة. النوم في سرير مختلف والاعتياد على اطعمة اخرى واللهج بلسان اعجمي، وقد كابدت الروح وعانى الجسد.
وها انت ذا غير بعيد من منزلك، هذه اللحظة هي محل العناية. تتآلف مجددا مع المعالم، تنظر بفضول الى الشوارع والزواريب والبيوت المجاورة.
ثمة شيء مختلف من العسير تحديده: في الاشياء نفسها ام بين الاشياء وبينك؟
اذهبْ الى غرفتك، تمددْ على السرير، وانظرْ مليا في ما يحيط بك. اضبط المسافات والاحجام والالوان، فقد كنت تعرفها غيباً. ثم ابحِر في القبل والبعد، في الحضور والغياب وفي مكان الاشياء من ذاكرتك. قد يقول البعض انها تبقى في اماكنها. بيد ان هذا الاختبار قد يدهشنا حقاً.
العتمة
انقطاع في التيار الكهربائي وتحل العتمة على حين غرة في غرفتك. تمشي على غير هدى، على ضوء العوائق والمسافات التي تسكن في الذاكرة.
ما تختبره هو عدم الركون الى اليقين، اذ ان تلمسك للأشياء يشي بأنك لا تعرف جيدا هذا المحيط الاليف: فكم خطوة تفصل بين السرير والباب؟ اين يوجد الكرسي؟ حينها تكتشف ان هذه الاماكن الآمنة مليئة بعلامات الاستفهام. فما تعرفه في الضوء يختلف عن ذلك الذي يقبع تحت جنح العتمة. فالظلام يحيلك ابله ويجعل وجودك كثيفاً ويسخر من كل حساباتك. في الظلام لا يعود الوجود نفسه، فالمعيار الاساسي بالنسبة الينا هو ان يكون مرئياً.
قياس الوجود
يقوم العالم اليوم على القياس، في حين ان اليومي تقريبي وغير دقيق. ونحن لا نكف عن حساب الاشياء المحيطة بنا: لا سفر من دون خرائط، من دون مواقيت محددة. لا استشفاء من دون فحوص مخبرية وتحاليل للدم والبول وصور اشعة. من دون تحديد نسبة السكر والكوليسترول والبوتاسيوم التي تجري في الجسم، ومن دون تحديد الوزن وقياس الضغط.
على هذا المنوال، كيف نقيس الوجود؟ بأي اداة؟ واي وحدة قياس؟ اي شيء يناسب: الكلم، السنة، الساعة، الثانية، نبضات القلب، ليترات العرق والبول والدم وكيلوات اللحم والبطاطا وليترات النبيذ، والورقات المحبّرة والحب المستجدى؟
تغطي الارقام العالم وتحوط الواقع وتسيّر الحياة في معادلات، غير ان لا شيء يسمح بقياس الوجود.
انتظار
للانتظار وجهان: واحد نجد فيه مناسبة للسكينة والتأمل. ففي توقع اللحظة لا شيء سوى الصبر. هذه السلبية مصدر فرح، اذ ان الزمن يسيل في كل الاحوال، ما يبعث على الطمأنينة. ووجه آخر نرتعب فيه حين نبدأ بضرب اخماس في اسداس ونسلس القياد للمخيلة.
ضعْ نفسك في محطة الاوتوبيس. في تلك اللحظة لا تعلم كم يتوجب عليك الانتظار، فقد تحول دون وصول الحافلة زحمة سير خانقة، او عطل ما. وها انت تأخرت على عملك ويتوجب البحث عن وسيلة نقل اخرى او مهاتفة مكان العمل للاعلان عن التأخير. ثم تجد ان نهارك قد فقد نظامه.
عندها تخيّل الاسوأ مثل انفجار الاوتوبيس لسبب ما، او احتراقه، فلا سبيل الا ان تهنىء نفسك بالسلامة!
امرأة على النافذة
تحلم او تراقب الشارع. تدخّن او تراقب الغيوم او تنشر الغسيل. عشرينية او ستينية، فقيرة او غنية. تراقبك فتتلاقى النظرات او انك لا تراها سوى جانبياً او من فوق. من نافذة طابق اعلى ترى وجهها بوضوح او تخفيه الستارة، وقد تميز ثيابها واستدارة نهديها ولحم ذراعيها.
في كل الاحوال ينتابك شعور واحد، انك تتأمل امرأة مجهولة، وجودها محاصر داخل دائرة النافذة، وانت لا تعرف شيئاً عنها. الفضاء الرحب هو مجال التقاء الرغبة والنظر اللذين سرعان ما يحملهما الهواء بعيدا في انتظار لقاء آخر.
بساط الريح
حين تقود السيارة، لا وقت لديك للانغماس في المشهد المحيط بك. اصعد في وسيلة نقل او سيارة صديق داخل المدينة الكبيرة وتخيلها كبساط الريح. تستعرض الناس امامك من دون ان تكون مرئيا تماما لهم. تمر بينهم، تلتقط حركات ولحظات من حيواتهم: تساؤل، قلق، حدث، رغبة. تدقق في ثيابهم ومشيتهم، وفي اعمارهم وشعرهم وتعبهم.
غير انك تكتشف انه ما زال بينك وبينهم زجاج نافذة السيارة. ثم انت حر في استخلاص العبرة التي تريد.
لا تفكر
ليست الا محاولة تقترب في حدود المحال، اذ كيف يعقل الا نفكر! تجربة من هذا النوع تضعنا خارج الانساني، تسحبنا من دائرة الحاح اللغة علينا. تضعنا في ناحية البلادة، الحياة المحضة، الآنية الحيوانية. او - والامر سيان - تضعنا في ناحية الالهي، حيث لا قاع ولا شيء سوى الصمت.
يمكن الفكر ان يكون تدبيرا بين الاثنين، ليس الهيا تماما ولا يقارب البلاهة. نوع من المراوحة بين الابدية واللحظة او بين الصمت والكلمات، الحضور والغياب، الكائن والعدم... الخ. ولا تعتقد - ولو وهماً - اننا نستطيع ان نفكر اننا لا نفكر، فبين لحظة واخرى نقع فريسة فكرة. فشل الاختبار هذا مؤكد ومضمون... وعلى مسؤوليتي.
ثياب
تجاوز دور الثياب الحماية من البرد والحفاظ على الحشمة. اذ ادت على الدوام وظيفة رمزية، فقد تقوننت واندرجت في لعبة السلطة والمعايير والادوار الاجتماعية. وتضاعفت على نحو متزايد المظاهر ودلالاتها. فالثياب تحدّث عن الوضع الاجتماعي والفيزيقي لمكان الفرد. تُشير الى الطبقة والعمر والاستخدام والاستخدام المضاد لها.
تستطيع ان "تجرب" الثياب داخل المحل، لا بهدف شرائها بل لاستعراض المظاهر الكثيرة التي تقدمها وغير المتوقعة في اغلب الاحيان. وهذه المرة بدلاً من اختيار الاشياء التي تناسب ذوقك ومكانتك ومخيالك، جرّب اشياء غريبة وغير مناسبة تثير السخرية، وجرّب نفسك في ثياب الآخرين: تاجر او محاسب او لاعب كرة او ديبلوماسي. وبعد ان ينالك التعب. ضع الثياب على الطاولة واشكر العاملين في المحل وانصرف.
تجوال ليليّ
يتحدد الليل عند كثير من الناس بغياب نور الشمس. هذه المقولة ليست تبسيطية فحسب. بل خاطئة ايضا. فالليل كوكب آخر يأخذ مكان الذي نعرفه في النهار. فالمعايير والافعال ليست نفسها، وحتى الافكار مختلفة. ولا شيء يثبت ان البشر يحتفظون خلاله بالذاتية نفسها.
اكثر ما يمكن معاينة هذا التبدل في المدن. فهناك بشر مخصوصون يسكنون الليل، قلة نادرة مبعثرة. هو فضاء خاص يهيمون فيه من دون هدف محدد سوى احتمال البحث عن طريدة هي الأخرى عصية على التحديد.
تفتح المدينة في الليل ابوابها وشوارعها للراغبين في العبور. خذ سيارتك وسر الى الامام من دون ان تعرف الى اين. ستكتشف اشياء جديدة: اشارة ليلية، حيّ، شجار، كآبة او عرس.
ستكتشف وجود ليال كثيرة موزعة بحسب المناطق والاوقات، وسترى الصباح كأنه هزيمة وانت تنتظر الشروق. وستتساءل عن حقيقة التعريف الآتي: "يُطلق تعبير فلاسفة الانوار على اولئك الذين انجذبوا في العتمة الى كل شيء يلمع".
..هامش
الموضوع لـ:
عـفـيـف عـثـمـان ـ نقلا عن الملحق الثقافي لجريدة الأنوار اللبنانية
أتمنى لكم المتعه بين هذه الكلمات التي أعجبتني ونقلتها لكم,,
جلناااار..[/align:72ba5a94d1]